الاثنين، 28 أبريل، 2014

الإنحراف عن السّياق

هناك ظاهرة لا أعلم إن طوّرها بعضٌ منّا فقط  - نحن الفلسطينيّين في احتلال 48 - أم أنّها ظاهرة سيكولوجيّة معروفة لدى جميع الشّعوب الّتي عانت من الإضطهاد. بعضنا يحبّ دائما أن يثبت للمحتل والعالم أنّه إنسان إنسانيّ (أضرب #@! إنسان إنساني، وكإنه ممكن الإنسان ما يكون إنساني). هذه الإنسانية المفرطة كثيرا ما تخرجنا عن السّياق وعن الزّمان والمكان للأحداث فنقارن مقارنات مغلوطة ونخلط الحابل بالنّابل.

اليوم، وفي تاريخ وساعة حددتهما دولة الإحتلال  دقّ ناقوس الحزن (أو كما أحبّ أن أسميه "الزّامور" - كزامور السّيارة في أزمة سير عميقة أو زامور مشجّعي منتخب البرازيل في المونديال). ناقوس قد يبدو لأولّ وهلة أنّه يرمز الى مأساة المحرقة والامها وقد يتّضح لاحقا إذا أمعنّا النّظر من عدسة المضّطهَد أنّه مدماك اخر في صراعات القوى بينه وبين المضطّهِد.

إنّ المحرقة - كما علّمونا في المنهاج الإسرائيلي والّذي فرض علينا by the way - هي جريمة بشعة ارتكبت بحق الإنسانية، وإن كانت الحقائق التّاريخية المنسوبة لتلك الفترة صحيحة (ومعظم الظّن أن غالبية تلك الحقائق صحيحة) فلا أعتقد أنّ هناك إنسان على وجه الكرة الأرضية يستطيع تجاهل الألم الجماعي الذي نتج عنها.

إذا، رغم أنّ المحرقة لم تطل العرب (بما في ذلك اليهود) الّذين عاشوا في المشرق لكنّ ألمها هو ألم حقيقي - من نوع الألم الّذي نحبّ نحن الفلسطينيّين في احتلال 48 أن نثبت للعالم وللمحتل إنسانيتنا من خلاله. هذا الألم من نوع الالام الماضية الّتي قد يفرح لتماهينا معها الطّرف الاخر أكثر من الام أخرى أكثر حساسيّة كألم التطهير العرقي في النّكبة مثلا.

يخطئ من يظنّ أنّ دوافع الدولة في دقّ الناقوس إنسانية. إنّ خطّة فرض إحياء ذكرى محرقة اليهود الأوروبيين عبر الإكراه القانوني في دولة الإحتلال  (متجاهلين بسخافة الضحايا الغجر، اصحاب الإحتياجات الخاصّة والمثليّين مّمن تاذوا منها) يقابله من طرف اخر فرض قانونيّ جنائيّ لمنع إحياء الام الفلسطينيين المتجسّده أولّا واخرا بالنّكبة. هذه المقابلة هي صيغة أخرى لمحاولات المستعمر تزوير التاريخ وتبرير أهدافه الكولونيالية الشجعه عبر حجج أخلاقيّة مشوّهه.

يقول أبراهام شالوم رئيس جهاز الشّين بيت الإسرائيلي سابقا في مقابلة أجراها معه درور مورا في كتاب "حرّاس العتبة" حول المحرقة وهو النّسخة المطولة لفيلم بذات العنوان: "يتعاملون معك هناك (أي في أوروبا في فترة المحرقة) طوال الوقت كمخلوق دنيوي. يذكّرني ذلك بما يحصل هنا.
إنه ليس مطابقا ولكنّه شبيها. يتعاملون مع العرب كمواطني درجةٍ ثانيةٍ. أن تكون عربيّا هنا يختلف عن أن تكون كاثوليكيّا في إنجلترا مثلا، والذين يعتبرون أقلية كذلك. إن كانت لدي قدرة الإختيار على أن أكون يهوديّا هنا أو عربيّا، لكنت فضّلت ألّا أكون عربيّا".

إذا بالرغم من أنّ اسقاطات وألم النكّبة يشبهان الى حدّ كبير نظيريهما في المحرقة بحدّ تعبير أبراهام شالوم الّذي يمثّل أكثر أذرع المؤسّسات السلطوية وحشيّة إلّا أنّ المؤّسسة الإسرائيلية تتجاهل الألم الأوّل وتشجّع الاخر وكأنّ الام الإنسانية يمكن أن تقسّم لالام أخلاقيّة وأخرى غير شرعيّة. كما أنّ تفضيل ألم اليهودي الأوروبي على الام عالميّة أخرى (الام مجزرة الأتراك بالأرمن مثلا) إنّما يكرّس فكرة يهودية الدّولة الّتي تلغي وتنقض وجودي وتاريخي الفلسطيني في فلسطين التّاريخيّة.

إنّ الوقوف على ناقوس الحزن هو خضوع لهيمنة الإحتلال عبر إلزامه قاطنيه ومحتلّيه (من هم تحت الإحتلال)  باحياء ألم من اختياره، وفي زمان، مكان ومدّة هو اختارهما كذلك. هذه الهيمنة تخرج الالم من حيّز الانسانية وتدخله مساحة صراعات القوى بين المضطهِد والمضطهَد - فيتحول التماهي من قضية انسانية الى قضية غير اخلاقيّه تكرّس علاقات القوى وتكرّس استعباد السّيد للعبد.

والان، سيّداتي وانساتي سادتي،
نترككم مع فيديو ساخر ردّا على  فكرة الإكراه القانوني للوقوف على الزّامور






Share/Bookmark

الأحد، 13 أبريل، 2014

#الحرية_لمجد

نحن الفلسطينيون الواقعون في مناطق احتلال 48 نحبّ أن نلوم الإحتلال في كلّ شيء. حياتنا معقّدة وتفيض بالمفارقات - حتّى اسمنا يحتاج لستّة كلمات معقّدة للفظه. وأنا ولأنني أنتمي الى هذه المجموعة المشبعه بالتعقيدات أحبّ أن ألوم الإحتلال. لم يبقِ الإحتلال للّغة العربية في منهاجنا المدرسيّ سوى بضع أساتذة كبار في السّن بعضهم توفيّ والبعض الاخر تقاعد، وقد تسنّى لي أن أتعلم مع "الأستاذ يوسف"، وهو واحد من ذلك الجيل الّذي اختار التعليم لحبّه للعربيّة بعكس الأساتذة الحداثيّين\الحديثين الّذين يختارون العربية لقلّة الاحتمالات عندما تكون علاماتك في القاع.
كان يحبّ "الأستاذ يوسف" أن يستطرد في الحديث وكان كثيرا ما يترك موضوع الدّرس وينتقل الى ذكريات شبابه. خبرّنا عن الحبّ قائلا يوما: "الحبّ في جيلكم يا أبنائي بات سهلا، ولذا فهو يموت ببطئ يوما بعد يوم. عندما كنت شابّا، كان الحبّ صعبا وقد كنّا نحبّ سرّا، أمّا في جيلكم فصار الحبّ علنيّا أمام الجميع: في أروقة المدرسة ومحطّات الباص".
نحن نحبّ بيروت سرّا، نحبّها حبّا صعبا، حبّا جميلا. في كلّ مناسبة نحبّ بيروت من جديد. نحبّها في أغاني فيروز وخالد الهبر. نحبّها في خطابات السّيد وبرامج التلفاز. نحبّها لطائفيتّها ولكثرة أقنعتها.
وفي أعماق الليل، نستلقي، نجرّد الحبّ من برائته كما يفعل العاشقون، ونعرّي بيروت من ملابسها قطعة قطعة - نتخيّل الفقر، نتخيّل ناطحات السّحاب الحريريّة الّتي تهجّر فقيرا اخر مع كلّ شبّاك زجاجيّ جديد يبنى، نتخيّل كيف تتحول معاكسة بسيطة الى حرب البسوس لأنّ الشّاب، أو الشّابه ولدت للدين الخطأ أو في الحارة الخطأ.
يحبّ مجد أن يكتب، وهو بارع جدّا في الكتابة. بات مجد مؤخرّا يكتب في مدوّنته الألغاز - ربّما رسائل مشفّرة بالإستعارات والذكريات لشخصيّة سيفهمها هما الإثنين فقط - أو هي كثرة الإستعارات الّتي يشرح بها الكاتب عدميّة الحياة أحيانا. يحبّ مجد المظاهرات، يحبّ تحديدا أن يهتف شعارات كان ترعرع عليها عندما كانوا يأخذونه للمظاهرات في صغره. يحبّ أصدقائه ونقاشاته معهم اخر الّيل في حانات حيفا.
أحبّ مجد بيروت سرّا كما أحببناها جميعا. أحبّ مجد بيروت حبّا صعبا، كما أحببناها جميعا. أحبّ مجد بيروت حبّا جميلا بريئا قذرا - كما أحببناها جميعا. ولأنّ مجد أحبّ بيروت قرّر الإحتلال أن يعاقبه كما عاقب "الأستاذ يوسف" فجعل جيلا كاملا لا يفرّق بين المجرور والمنصوب.
صراحة، لا أعلم الى أين ستأخذني الكتابة. لا أعلم كيف أنهي التدوينة. هل أنهيها ككلّ قصص الحبّ السّري التراجيديّة أم أنهيها بالأمل الذي يخفق بأعماقي بثقة ويقول: بعد مجد هناك ألف مجد سيزور بيروت.

إسّا المهم: قضيّة مجد هي قضيّتنا - أولا لإنه مجد منّا وفينا وصديقنا ورفيقنا. ثانيا لإنه مجد سجن عشانّا عشان الإحتلال قرر يعلمنا إحنا الدرس بمجد. ثالثا، لإنه كس إم الإحتلال.

صورة لمجد مع أسد وسلام ومحبة وهيك. (هاي رسالة
لالك مجد بعد م تطلع هاها) :) ترجع سالم مجد.

Share/Bookmark