الثلاثاء، 26 يونيو، 2012

عندما بكت مدرستي !


قبل قليل شاهدت مدرستي تبكي، نعم، لقد شاهدتها تبكي على ضياعها بعد خمسون سنة من العطاء.كانت ذات السّاحات اللواتي لعبنا بها، وتشاجرنا بها، وتعلّمنا بها أن لنا قلب يخفق في أعماق صدورنا الشرقية. نعم، كانت الساحات ذاتها، ولكن الخطابات اختلفت، والشخوص اختلفت.
***
كان يوم سبت، كانت مدرستنا تعيش لبّ الأزمة الإقتصادية - وكان الأستاذ مسعود يعلمّنا مجّانا أيام السبت دروسا طويلة في الفيزياء. كان أحيانا يتناول موضوع العزف، وأحيانا أخرى نحت الحجارة ويعود سريعا لتعليم الفيزياء لأن "الوقت يداهمنا" كما كان يقول دائما. كان ألاستاذ مسعود، يعلّمنا برموزه تلك حبّ الوطن، حبّ ترشيحا التي لم نولد بها. نجح الأستاذ مسعود، وكبرنا وبقينا نحبّ مدرستنا وترشيحا التي لم تكبر معنا، مدرستنا التي بقيت في خيالنا تلك الفتاة العربية البريئة.
***
كنّا نهرب من الحصص وندخن سرّا سوية خلف "الكيوسك" أو في "المدرّج" ونتناول أحاديثا لا قيمة لها بغاية تمرير الوقت. كانت التدخين سرّا أهم العوامل التي جعلت المدرسة متماسكة بطلابها الذين كلّ منهم أتى من قرية مختلفة، وخلفية مختلفة.
صورة لرحلتنا السنوية عندما كانت مدرستنا ما تزال عربية

***
كنت أغار من ترشيحا، ففي ترشيحا، ولخصوصيتها وماضيها الحافل بجرائم الصهيونية، نشأت طبقة شباب مثقّفة وطنيّة حرة رفضت نسيان الماضي وتجاهل الحاضر، وناضلت (وما زالت تناضل حتى اليوم) للعيش بكرامة في عالم خال من الكرامة. كنت أتسائل دوما: لو قصفت بلدي، هل كان شبابنا سينشؤون مثل شباب ترشيحا، يناضلون اجتماعيا وسياسيا يوميا ضد وحوش المستوطنات التي تحيطنا من كلّ جهة ؟ ولا أجد الجواب.
***
كان الأستاذ يوسف ناصر الأستاذ الوحيد الذي نذكر اسم عائلته بعد اسمه عندما نتكلّم عنه. لا أعرف ما السبب، ولكنها عادة ورثناها عن الأجيال السابقة. كانت طريقته في التعليم غريبة، وكانت تضحكنا ولكنها نجحت بجعلنا نحبّ، نقرأ ونكتب اللغة العربية.
كان يكره كتب المنهاج، لم يطلب منّا أبدا أن نشتريها، وكان يشتمها باستمرار. كان يطلب منّا أن نأتي بدفتر قواعد وقلمين، الأول أحمر والثاني أزرق، ويشرح لنا المادة ثمّ يقول لنا ما نكتب بالدفتر بالضبط وبأي الألوان. كانت العنواين حمراء والمادة زرقاء - ما زلت أحتفظ بدفتر القواعد حتى يومنا هذا.
كان يحفظ كلّ أبيات الشعر التي علمنا اياها عن ظهر قلب، وعندما كان يرددها، كانت يبتسم ويمشي في الصف ذهابا وإيابا، الى أن يصل بيت القصيد، فيقف بجانب الشّباك، يرفع صدره الضخم ويضع يده اليمين بجانب أذنه مشيرا لنا بأن نسمع ويلقي البيت بأعلى صوته. كان يحب اللغة العربية حبّا جمّا.
كنا نقلده طريقة القاءه على "المدرج" أو خلف "الكيوسك" ونضحك. ستّ سنين طويلة مرّت وما زلت أذكر جميع تلك الأبيات عن ظهر قلب.
إنها ليست مدرستك يا شلومو ! إنها مدرسة طلابها وأساتذتها

***
كانت المعلمة كاميليا هي تلك المعلمة التي يكرهها الجميع، كانت متغطرسة، تنظر الى الطلاب من أعلى الى الأسفل بنظرات احتقار ولا تقيّم الطلاب حسب قدراتهم، بل حسب مقدار تملّقهم لها.
كانت تعتقد أنها ما زالت في سنوات العشرين، لربما نسيت حينها أن مئات السنين مرّت مذ كانت في العشرينات اخر مرّة. كانت تصادر أغراض الطلاب وتذهب لتخبئهم معها في غرفة المعلمين. وكنا، نقف مكتوفي الأيدي أمام هذا المضّطهد الذي لا نستطيع الدفاع عن أنفسنا منه.
***
كبرنا، وجاء شلومو بوحبوط ليصادر لنا أغراضنا أغراضنا كما كانت تفعل المعلمة كاميليا، لكنه لم يصادر هذه المرّة بعض الأمور المادية الرخيصة.. صادر مدرستنا، وماضينا وذكرياتنا.
لم أر في الفيديو الأستاذ مسعود، أو الأستاذ يوسف ناصر أو أولاد صفي الذين كنت أدخن معهم خلف على "المدرج" أو خلف "الكيوسك". حتى المعلمة كاميليا، شعرت بالأسف لأنني لم أرها في الفيديو، وشعرت للحظة أنّي أحب كراهيتي لها، أنها جزء من ماضيّ، جزء من ذكرياتي.
لم أر في الفيديو سوى الكثير من الخطابات بالعبرية لشلومو بوحبوط وشركائه، يفتخرون بتاريخ المدرسة التي لم يتعلموا بها، لم يبنوها ولم يشاركوا بتأسيسها. يتكلمون بضمير الملكية، عن البنيان والساحات  والطلاب.
أنا لست ملككم ! المدرسة ليست ملككم ! الماضي ليس ملككم ! أنا طالب مدرسة ترشيحا الشريفة العربية ! أنا طالب مدرسة مسعود، شادية، رشيد، زياد، ايلين ويوسف ناصر ! (وغيرهم الكثير طبعا).
***
عندما أذهب من الشمال الى تل أبيب أنظر أحيانا من الشباك وأخاطب نفسي بلغة أخاطب ذاتي فيها فقط، أحلم فيها بتحرير بلادي، وتحرير نفسي من الإضطهاد بأعمال مجنونة. عندما شاهدت الفيديو، رأيت لافتة يكتب عليها إسم المدرسة بالعبرية، مع أن المدرسة لم تخرّج أي طالب يهودي في الخمسين سنة التي عاشتهن. عندما رأيت هذه اللافتة عدت لأخاطب نفسي بلغة الجنون ذاتها، عدت لأحلم أنّني في ذلك الحفل، أمزق اللافتات، أفجر نفسي بين شلومو بوحبوط وأعوانه المحتلين. وأترك المدرسة لتعود مدرسة ترشيحا الشاملة التي أعرف.

* 18:15 كلمة بالعبري رقم 1
* 23:20 كلمة بالعبري رقم 2
لاحظوا أعلام إسرائيل التي ترفرف بالخلفية، واليافطة التي كتب عليها إسم المدرسة بالخلف باللغة العبرية.

Share/Bookmark

الثلاثاء، 19 يونيو، 2012

قصة عالماشي


لم يأبه لسائق سيارة الأجرة الذي زاد السعرة بعشرة شواقل إضافية، لم يكن مزاجه بحاجة الى المزيد من النقاشات، ترجّل بعيدا عن المنزل، احتاج بعض الوقت للإنفراد مع شوارع رمات أبيب الصامته ليلا ليعيد ترتيب أفكاره مرّة أخرى.
جلس على أحد البنوك العشوائية في أحد المتنزّهات العمومية، تناول علبة الدّخان وأشعل السيجارة الأخيرة. عليه الان أن يعود الى الشارع الرئيسي، الى تلك البائعة التي تعمل كلّ الوقت – عرف أنه اذا استفاق دون سيجارة صباح سيتعكّر مزاجه يوم غد.
***
لم تكن سوى صبيّة في العشرين من عمرها عندما أتت الى تل أبيب لتعيش حلم المدينة، لم ترها سوى في برامج الليل المتأخرة عندما كانت تسهر مع والدها على التلفاز. لا تذكر شيئا من ذلك اليوم الذي قررت به أن تترك هدوء الشّمال وتهاجر سوى دموع أمها المتزامنة مع قبلتين، واحدة على كلّ وجنه.
لا تعرف كيف سجنت في ذلك الدكان تذكر أنه كان مشروعا مؤقتا لجني بعض المال كي تدّخر بعض النقود لتتعلم المسرح. اعتادت على ذلك المال الكثير، ونسيت خرير مياه الشمال وصراخ أمها صباحا لتستيقظ. كانت تجيب دائما عندما يسألها أحد الزبائن عن احتمالها تلك الوظيفة أن الوظيفة تلائمها لأنها دائما كانت تسهر ليلا وتنام نهارا.
***
دخل الدّكان، شعر بنسيم المكّيف. تذكّر أن رائحة المشروب تفوح منه، ولكنّه لم يأبه.طلب الدّخان ووضع واحد وعشرين شاقلا بالضبط. لم ينبس ببنت شفه، عرف أن الأسعار في ذلك المكان كانت خيالية، ولكنه كان يدافع عنها أما أصدقائه - الذين حاولوا أن يقاطعوا الدّكان مرارا وفشلوا – بإدعائه أنه يشتري رفاهيته بتلك الأسعار.
جلس على الرّصيف وصار يراقب قطّة نائمة وسط الشارع، شعر بيد تلامس ظهره، وتعانقه، نظر الى الخلف فرأى البائعة تحمل قنينة نبيذ مفتوحة. جلست بجانبه، شربت القليل من فوهّة الزجاجة وناولته اياها، "إنها لا تحب النبيذ"، قال في أعماقه، بدا ذلك من حركة لا إرادية تجلّت في أطراف شفتيها.قالت:
"رح أترك الشغل بكرة"
"والله"
"وبدي أسجل لتعليم المسرح"
"والله؟"
"بكفي، صرلي ثلاث سنين قاعدة بنفس الخازوق.."
"يا سيدي،"
"شو يا سيدي؟ إحكي إشي.."
"بهنيك على القرار الشجاع.. أنا بكرة رح أترك التعليم.."
"حدى بترك التعليم ؟"
"لشو الواحد يتعلم أصلا؟"
"عشان يصير يعرف"
"أو عشان يبطل يعرف"
"كيف يعني ؟"
"لما إنت بتتعلمي، بعلموك كيف تفكري، وبالتالي بتبطلي تعرفي كيف تفكري"
"يمكن أنا عم بضيع"
"عادي، وأنا مش فاهم عحالي أصلا.."
"قصدي من النبيذ.."
"يعني، من كل عقلك، أنا بدي أصير أفيق وأروح عالشغل وأروح أنام ؟"، قال محاولا أن يبعد نظره عن الفتحة بين ثدييها.
"أنا صرلي ثلاث سنين بعمل هيك.."
كان النبيذ يزيده ثقة، ويزيدها خنوعا. شعر بيده تنزلق تدريجيا الى الجهة الداخلية من فخذها، وصار يحرّك إبهامه صعودا ونزولا، شعر بالكثير من الحب، والكثير من الشهوة.
هي لم تتوقع أن تستطيع أرصفة تل أبيب أن تفعل ما لم تفعله عشرات البارات المكتظة بالشباب. خطورة الموقف، حرارة الصيف، النبيذ ويد ذلك الشاب الذي تعرفه ولا تعرفه جعلتها تشعر بحرارة شديدة، لم تكن تلك حرارة صيف السّاحل، بل كانت حرارة أقوى.
وناموا مع بعض، وجابوا ولد، وعاشوا مبسوطين.

Share/Bookmark

الأحد، 10 يونيو، 2012

الإختلاف ما بين الإدراك الإقتصادي الصيني والغربي


لا يمكن القول أن الصين مازالت تعتبر دولة اشتراكية الاقتصاد، خاصة وبعد انصهارها عام في سنوات الثمانين من القرن الماضي بالسوق العالمية الحرة عبر خصخصتها  لثلاثة وثمانين شركة حكومية مربحة.
مع ذلك، هناك اختلاف كبير في الإدراك الصيني لمفاهيم الأخلاقيات في الإدارة والتعامل بين الشركات – اختلافات استغلّها مديرو الشرك الصينية ليحقّقوا أرباحا على حساب الغرب.
تضع فلسفة الاقتصاد الغربي الفرد في المركز.  ففي معظم  الجامعات الغربية يتناول تعليم الاقتصاد موديل روبينسون كروزو، الذي يتم تطويره تدريجيا لخلق اليات تساعد الفرد في فهم وإدارة اقتصاده عالمه الذي يهدف بالأساس لزيادة ربحه عبر بحث مجمل الإمكانيات واختيار الإمكانية الأنجع.
هذا النوع من الأنظمة ضبط الكثير من الأنظمة الاجتماعية التي نعيش اليوم، كجهاز القانون مثلا في الدول الغربية الذي تعتبر فيها الشركات كيانا قانونيا منفردا. فحتى لو كانت شركة تسيطر على شركة أخرى، لا يمكن تحويل الأموال بينهما بشكل حر، بل على أساس قروض وديون.
الإدراك الصيني من جهة أخرى، وبسبب تاريخه المتأثر بالاشتراكية، وضع الفرد في الهامش والجماعة في المركز. ففي مرحلة معينة بالتاريخ، انفصلت فلسفة الاقتصاد الصينية عن الغربية، وتم القضاء على الملكية الخاصة، وبالتالي أصبحت جميع الشركات ملك الدولة، وصار التعامل فيما بينها على أنها شركة واحدة.
عندما بدأ انصهار الشركات الصينية في السوق العالمية، اضطر الصينيون أن يتعاملوا مع الأنظمة الاقتصادية التي تمركز الفرد، وبالتالي وانصياعا لقوانين الغرب، اجبروا على الفصل بين الوحدات الاقتصادية لتصبح شركات منفصلة. واضطروا للانتقال من النظام النقدي الى النّظام التراكمي. (.(From cash basis to cumulative basis
مع ذلك، فإن مخلفات الإدراك الاشتراكي لم تنتهي كليّا، وبقي التعامل بين الشرك على أنها وحدات اقتصادية مختلفة تخدم ذات الهدف.
هناك تخصص في الاقتصاد يسمى ب "إدارة الأرباح"، وهو علم يبحث الإبلاغ عن الأرباح في الشرك في نطاق القانون. فقد تستطيع ذات الشركة أن تتلاعب بالأرباح السنوية في نطاق القانون لتعلن عن ربح أكبر أو أصغر حسب أولويات الشركة.
استعملت الشركات الصينية طريقة جديدة للتلاعب بالأرباح المعلنة، وفي نطاق القانون، طرق لم يفهمها الغرب لأول وهلة وفهمها الصينيون نظرا للاختلاف بالإدراك.
أحد العوامل التي تقرر سعر سهم الشركة عندما يتم إصدار الأسهم للمرة الأولى للبيع في السوق الحرة هو ربحية الشركة. أحد العوامل الأكثر تأثيرا على قياس ربحية الشركة هي الأرباح المعلن عنها من قبل الشرك.
قبل إصدار الأسهم قام الصينيون بالتلاعب بالأرباح عبر استغلال علاقاتهم بالشركات الأخرى التي لم تصدر للسوق الحرة ليعلنوا عن أرباح أكبر، ما يؤدي الى تقييم المستثمرين الأجانب للشركات بطريقة خاطئة على أنها قيمتها أكثر ممّا هي في الواقع.
قبل إصدار أسهم الشرك في السوق الحرة، استعمل الصينيون نظام اقتصادي نقدي، وهو باختصار نظام يعترف بالأموال عند وصولها ولا يعترف بالديون مثلا.  عندما انتقلوا للنظام التراكمي، الذي يعترف بالديون، والأموال التي من المفروض تلقيها في المستقبل كممتلكات.
استغل الصينيون انتقال الشركات الصينية الغير مصدّرة من وحدة اقتصادية واحدة الى عدة وحدات منفصلة. فأصبحت الشركات الأخرى "زبائن" الشركات المصدّرة. ونظرا لانتقالهم للنظام التراكمي، طلبت تلك الشركات من الشركات المصدرة بضائع لعدة سنوات مستقبلية دينا. في النظام الغربي تم الإعتراف بهذا الدين كملكية، وبالتالي كربح. وبالتالي أظهرت الشركات الصينية ممتلكات أكبر مما تملك، وربحا أكبر مما تربح.
طريقة أخرى استعملها الصينيون هي إعطاء الشركات المصدرة لقروض طويلة الأمد لباقي الشركات الصينية، وبذلك أخرجت الأموال منها الى شركات الصين الحكومية. ولكن نظرا لأن الدين يعتبر ملكيّة في النظام الغربي، لم يؤثر ذلك على قيم الشركات المصدّرة.

يتبع..
* لم تتم مراجعة الموضوع وتنقيحه بعد..


Share/Bookmark